الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

287

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لذلك كان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تغرورق عينه بالدموع حين يرى يتيما ، وكان يظم ذلك اليتيم إلى صدره ويداعبه بكل حرارة . يجب أن يتفهم ما يعانيه مجتمعه من فقر ثقافي ، كي يعتز بكل من يأتيه لطلب معرفة أو علم ، ويستقبله بصدر رحب . ليس النبي الخاتم وحده ، بل قد يكون كل الأنبياء منطلقين من حياة المعاناة والألم ، وهكذا كل القادة الحقيقيين الناجحين كانوا كذلك . . . ويجب أن يكونوا كذلك . من كان يرفل في نعومة العيش ، وفي الثراء والقصور ، وكان ينال كل ما يريد ، كيف يستطيع أن يدرك آلام المحرومين ، وكيف يستطيع أن يتفهم معاناة الفقراء والبائسين ليهب لمساعدتهم ؟ ! في حديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) : " ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم يعلمه بذلك رعية الناس " ( 1 ) . وفي رعي الغنم دروس في تحمل الآلام ، وفي الصبر أمام موجود ضعيف قليل الشعور ، كما إنه استلهام لدروس التوحيد والعرفان من خلال حياة الصحراء والعيش في أحضان الطبيعة . وفي رواية أن " موسى بن عمران " سأل ربه عن سبب اختياره لمقام النبوة ، فجاءه الجواب : أتذكر يوما أن حملا قد فر من قطيع غنمك فتبعته حتى أخذته ثم قلت له : لماذا أتعبت نفسك ، ثم حملته على كتفك ، وجئت به إلى القطيع ، ولذلك اخترتك راعيا لخلقي ، وهذا يعني أن الله تعالى رأى في موسى قدرة فائقة على التحمل تجاه هذا الحيوان مما يدل على قوة روحية فائقة أهلته لهذه المنزلة

--> 1 - بحار الأنوار ، ج 11 ، ص 64 : ح 7 .